كان بيتنا من الخارج يبدو بيتًا عاديًا تمامًا، بل ربما أجمل من العادي. جدران نظيفة، أثاث مرتب، وأمي التي كانت تستقبل الضيوف بابتسامة واسعة وصوت دافئ يجعل الجميع يقول: 'يا لكم من أسرة محظوظة، بهذه الأم الرائعة.' لم يكن أحد يعلم أن تلك الابتسامة كانت تختفي في اللحظة التي يُغلق فيها الباب خلف آخر ضيف.
كنا أربعة، أنا الابن الأكبر، وثلاث أخوات بعدي. منذ أن كنا أطفالًا صغارًا، تعلّمنا لغة لم يكن يفهمها أحد خارج بيتنا؛ لغة قراءة نبرة صوت أمي قبل أن تنطق بكلمة، ومراقبة حركة يدها وهي تُمسك بأي شيء، لنعرف إن كانت هذه هي اللحظة التي يجب أن نختفي فيها.
أذكر كنتُ في السابعة من عمري حين أحضرتُ إليها رسمًا فخورًا به من المدرسة، حصلتُ عليه كأفضل رسم في الفصل. نظرت إليه للحظة، ثم قالت بابتسامة باردة: 'جميل، لكن كان يجب أن تستخدم ألوانًا أفضل، أنتِ لا تُحسن اختيار الألوان مثل إبن خالتك.' لم تكن تلك المرة الأولى، ولا الأخيرة، التي أشعر فيها أن كل إنجاز، مهما كان صغيرًا، سيُقابَل بشيء يهدمه.
كانت الإهانات لا تتوقف عند الكلمات فقط. كانت تُقارن بيننا نحن الأربعة باستمرار، تجعل واحدًا منا 'المفضل' لفترة، ثم تنقلب عليه فجأة دون سبب واضح، لتجعله 'الفاشل' وتمنح 'الفضل' لأخيه أو أخته. كنا نعيش في دوامة لا نفهم قوانينها، نتقاتل أحيانًا على حب لم يكن موجودًا أصلاً، ونتصالح في الليل، حين نجتمع في غرفة واحدة، نبكي معًا بصمت، ونهمس: 'لماذا نحن؟'
أما أبي، فكان الشخص الذي طالما انتظرناه أن يقول كلمة واحدة تحمينا. لكنه لم يفعل قط. كان يجلس في ركنه، يقرأ جريدته أو يشاهد التلفاز غير مبالي، وحين كانت أمي تصرخ في وجه إحدى أخواتي حتى البكاء، كان ينظر إليها نظرة صامتة، ثم يعود لجريدته. مرة واحدة فقط سمعته يقول لها: 'أنتِ قاسية معهم قليلاً'، فردّت عليه بصوت حاد جعله يصمت للأبد: 'وأنت أين كنت طوال اليوم؟ أنا التي أتحمّل كل شيء وحدي.' لم يكرر المحاولة أبدًا بعدها.
كبرنا، كل واحد منا يحمل جرحًا مختلف الشكل، لكنه من نفس المصدر. أختي الكبرى أصبحت تعتذر عن كل شيء، حتى عن أشياء لا ذنب لها فيها. أختي الوسطى لم تعد تثق بأي إنسان يقول لها إنه يحبها. أما أختي الصغرى، فقد أمضت سنوات تحاول أن تكون 'مثالية' في كل شيء، وكأنها ما زالت تحاول إثبات جدارتها بالحب أمام أمٍّ لن تمنحه أبدًا.
وأنا، كنتُ أحمل شيئًا أثقل من كل ذلك؛ شعورًا دائمًا بأنني المسؤول عنهم جميعًا، وأنني إن فشلتُ في حمايتهم يومًا، فأنا الفاشل الحقيقي. كبرتُ سريعًا جدًا، وتركتُ طفولتي في ذلك البيت، دون أن ألاحظ.
جاءت اللحظة الفاصلة حين تجمّعنا نحن الأربعة، بعد سنوات من الابتعاد الجغرافي، في مناسبة عائلية، وشاهدنا أمي تكرر مع أطفال أختي الكبرى نفس الجمل، نفس النظرات الباردة، نفس المقارنات القاسية. تبادلنا النظر في صمت، وفهمنا جميعًا شيئًا واحدًا في تلك اللحظة: هذا لن يتوقف من تلقاء نفسه، وإن لم نفعل شيئًا الآن، سيتكرر إلى الأبد. كانت تلك هي الليلة التي بحثتُ فيها عن مساعدة نفسية لأول مرة